in

رواية كويكول للمؤلفة د. حنان لاشين

استدار وأطلق العنان لساقيه , كان يركض وهو يكاد يُسابق الريح التى تلفح وجهه , يكاد يخرج من إهابه من شدة السرعة , والأفكار تتناطح فى رأسه كالبروق المتوالية , من شدة المفاجأة لم ينتبه لركضه نحو هاوية سحيقة بالمنطقة الجبلية التى خرج من الغابة مسرعًا تجاهها عندما رآهم يُطاردونه , لو لحقوا به سيقتلونه , ولو قفز سيموت ! شُل عقله عن التفكير , سيتوقف ويُدافع عن نفسه , وسيحاول الهرب من تلك القرية الظالم أهلها , توقف رغمًا عنه فانزلقت ساقاه بسبب ثقل جسده وهوى ساقطًا بسرعة شديدة , وهو يصرخ نحو سفح الجبل , أغمض عينيه , واستسلم لمصيره وقلبه يخفق بشدة.

تشرفتُ بقراءة رواية “كُوِيكُول” الجزء الرابع من “مملكة البلاغة” للدكتورة الأديبة حنان محمود لاشين
استمتعتُ بصحبتها على مدار ليلة كاملة لم أستطع تركها حتى انتهيتُ منها.
مملكة البلاغة القادرة دوما على جذبك إلى أعماقها والعيش بين أرجائها بلغتها الراقية البديعة وبخيالها الخصب الأخاذ.
تفرح لفرح أهلها وتحزن لحزنهم، تتحلى بروح محاربيها تنتصر لمبادئهم وتعادي من عاداهم .
“كُوِيكُول” هذه المرة مختلفة ، فاجئتني!
ربما لانتقال الوجهة هذه المرة لشعب أصيل المنشأ طيب الطباع وليس كالمعتاد في المرات السابقة.
القوة النسائية وما تستطيع أن تفعله بدافع الغريزة،
“الكنهور” أكثر ما جذبني وأخذ التفكير مني مبلغه تجاهه.
المعلومات المذكورة بالرواية مفيدة وماتعة وجديدة كالعادة.
أما اللغة فهي بحد ذاتها جمال منفصل يُضاف لجمال الرواية.
الجهد المبذول في الكتابة واضح ولا يخفى على أحد وهذه من أقوى أسبابي للإعجاب بأي عمل أن أشعر أن الكاتب بذل مجهودا لتقديم وجبة فكرية دسمة تليق بعقل القراء.
أسأل الله أن يجعل كل حرف وقيمة ومبدأ في هذه الرواية بميزان حسنات د/ حنان وأن يكتب لها القبول والنجاح.

1

في كل مرة أتساءلُ في دهشة وريبة وتربص: كيف لها -غاليتي حنان لاشين- أن تغامر باسمها الذهبي وسيرتِها الطيبة وسمعتِها الأدبية وتُقْدِم على صياغة جزء جديد من سلسلة خيالية شديدة التعقيد والدقة والتتابع والتشابك، وتُجازف بالظن أنها يمكنها أن تتجاوز عقبةَ الملل والتكرار والرتابة وتشابه الأحداث وتوقعات القراء للفكرة؟!
ثم تأتيني الإجابة كل مرة، لتقصف جبهتي بتحفةٍ فنيةٍ خياليةٍ جديدةٍ، تُخالف كل ما قد سافرَتْ إليه توقعاتُ الخيال.. وكأنها قصةٌ جديدة تمامًا مُستقلة عن سابقاتها، وفي نفس الوقت شديدة الارتباط بهن…!
المعنى الحقيقي لكون الإنسان يتفوق على نفسه كل مرة، سبحان الوهاب المنان وتبارك الرزاق الرحمن..
فعلمتُ يقينًا -بإذن الله- أنه قلمٌ مُؤَيَّدٌ ومُسَدَّدٌ ومُوَفَّقٌ بفضل الله وعونه وتوفيقه وحوله وقوته..
ولا عجَب، فهو القائلُ عز وجل: {..ومن يتقِ اللهَ يجعلْ له مَخرجًا ويرزقْه من ((حيث لا يحتسب))..}..
وأحسبها من المتقين الذين يرزقهم الله برزقِ البيان الوفير المبارك، ومِداد القلم الخصب المدرار، من حيث لا تحتسب.. أحسبها كذلك والله حسيبها ولا أزكيها على العليمِ الخبيرِ الحَيِيِ السِّتِّير…
وأزداد شرفًا كل عام حين تصطفيني لقراءتها قبل نشرها.. فاللهم لا تحرمني هذه السعادة الحبيبة بذنوبي..

تلك الكُويكول…
ستزداد يقينًا بعد قراءتها، أننا نروح ونغدو ونسعى ونطوف ونعلو ونهبط، وتظل القلوب هي الوطن..
قلب أمك وطن..
قلب زوجك وطن.. قلب أخيك.. ابنك…
وقد يكون أيٌّ من هؤلاء هو سجنٌ لا وطن، فكلٌ منا حسبَ حاله ورزقِه وأقداره..
لكن الحقيقة التي لا مراء فيها، أن الله العدلَ البرَّ الرحيمَ، ما تَرك أيًّا منا بلا وطن..
حتى وإن سُلِبْتَ كلّ الأحبة، فستجد في قلبك المؤمنِ العامرِ بالرضا، كلَّ تلك الأوطان.. والمرءُ بأصغريه: قلبه ولسانه.. وما يعلم جنود ربك إلا هو…!
وستعلمُ حين تقرأ فيها أكثر أن أرحب تلك الأوطان مَسكنًا ومُقامًا، هو ذاك وأنت في أدنى الأرض ساجِدًا، أو في أعلاها وأنت رافعٌ كلتا يديك، متذللا بالدعاء للعلي الأعلى المتعال..
نعم.. ستعلمون جميعا معشر الغرباء والمغتربين، كيف أن الدعاء وطن..
وستدركون بين سطورها في ذات الوقت، أن مِن بيننا من يملكون كل تلك الأوطان، ثم يهجرونها ويأبون إلا العيش داخل الجحور في كنف السَّجان..

في أحد مشاهد تلك التحفة الأدبية البليغة كذلك، ستتذكرون كلامَ ابن القيم عن أن قيمةَ السيفِ بضارِبِه… حيث قال: “والسلاح بضارِبِه، لا بحَدِّه فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًا لا آفة به، والساعدُ ساعدٌ قويٌّ، والمانعُ مفقود؛ حصُلت به النكايةَ في العدو.. ومتى تخلَّفَ واحدٌ من هذه الثلاثة تخَلَّف التأثيرُ..” وقد صدق رحمه الله…
وستعلمون أن الواحد منا قد يحمل أدواتٍ يحسُده عليها الآخرون ولا يدري هو ذاتُه قيمتَها.. فقد تملك سيفًا بَتَّارًا يُزهِقُ دابرَ الظُّلم، وأنت تغفل عن ذلك أو تتغافل، أو ربما أنت تحوز قلمًا مدرارًا ينحِرُ عُنقَ الباطِل، وتجهل ذلك أو تتجاهل..
وقد تكون قويًا غير غافلٍ لكنك بلا سلاح، كفارسٍ بلا جواد.. فتجد بصدق عزمك أنك تؤَيَّد بمددٍ لا قِبَلَ لعَدُوِّكَ به.. وقد يُشَقُّ لكَ جناحٌ لتطير.. وقد يُشَقُّ ذُيّاك الجناح لقلبك فيطير..! وقد تُرزَقُ قوةُ إبصارٍ إضافية تَرى بها ما لا يراه مَن حولك، فيظنون أنك ساحر، ولا يفهمون أنها البصيرة، تُريك الأشياءَ بنورِ الله.. وما يعلمُ جنودَ ربك إلا هو..
وهنا -ومع تصاعد الأحداث- تزداد يقينًا أنك ستفلح إن شاء الله، لكن إذ صدق منك العزم… فقط كن أنت محاربًا، لتستحق المدد.. فإذا عزمتَ فتوكل على الله…

وفي بعض شِعابِ تلك اللؤلؤة، ستعاينُ بنفسك لون وطعم ورائحة لوعتَك على أبنائك، كأنك واقفٌ أمام مِرآةٍ من الزجاج النقي.. في مشهدٍ أجمعتْ عليه واجتمعتْ مدامعُ القراءِ ومآقيهم..
كما تعلمون.. الأبناء هم جمرةُ القلوب.. وقد قيل أن من الذنوب ما لا يُكَفّره إلا الهم بالأولاد .. وقد صدقوا.. وقد صدق قلمُها حين جسّد هذا المعنى بجلاءٍ عبقري في ذاك المشهد المزلزل، وكأن مداد حبره من سويداء الجمرة رأسًا إليكم

بفضل الله وحده، تجدون في قَصَصِها دومًا أحسن القصص..
فهي -بَيَّض اللهُ صَحيفتَها بالقلمِ الأمين- لا تترك قُراءها بنهايةٍ مفتوحةٍ مُزعِجة ومؤلمة كجُرح مفتوحٍ دون تطبيب.. ولا تتركهم كذلك بخاتمةٍ سوداء ذات بؤسٍ عميق وألمٍ شديد لا يبرحنا حينًا من الدهر، كما يفعل كثير من الكُتّاب من باب التنافس على قدرةِ التلاعب بمشاعر القراء، وقدرةِ خَلق أكبر قدر من الكآبة لديهم بلا مسارات أمل أو سكينة وبلا هدف سوى البؤس الأدبي! فالحمد لله أنها ليست من أولئك العابثين..
بل على النقيض تماما..
إذ أنا أكون مطمئنة على قلبي وصحيفتي -بإذن الله- قبل الولوج في غمار الرواية.. لأني أوقن منذ حوالي خمس روايات لها، أنها تتعامل مع قلبِ القاريء وعقله على أنهما أمانتان ستُسأل عنهما بين يدي الملِك.. فلا تتلاعب بمشاعر القراء لتحصل على أكبر “سكور” -رصيد- أدبي من الأحزان والإثارة كي تُوسَمَ بملكة التراجيديا والدراما على سبيل المثال! وإنما تتهادى بمشاعره لتعيد ترميمها وتصحيح مسارها وتشكيل رؤيته للحياة وفكرته عن نفسه وتغيير وُجهة مَمشاه في الدنيا للأرشد والأجمل..
وفي ذات الوقت، وعلى مدار الرواية بكاملها، دومًا هناك رصيد هائل من فخامة العبارات وجزالة اللغة، وتطعيمٌ للفقرات لا حدود له بالإثارة والتشويق والتصاعد المذهل في الحبكة الروائية والقصصية والأدبية والانسلال السهل اليسير لرسائل قلمها كقطر السيل الرقراق..
فأنا دومًا حين أطالعُ لها روايةً، أتذكر قولين عزيزين للعزيز تبارك وتعالى:
الأول: {..إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا.. هنالك ابتُلِي المؤمنون وزُلزلوا زِلزالا شديدا..}
والثاني: {..ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمَنةً..}.. {..فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينةَ عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا..}
وكل ذلك من سِمات أحسن القصص كما وصفه ربنا تبارك وتعالى في سورة يوسف، فأحسن القصص هو دومًا ذاك الذي ينتهي بالنهايات السعيدة الآمنة المطمئنة المؤكِّدة لتغلُّب الحق على الباطل مهما علا واستطال زمانُه، مع عِبَر وعِظاتٍ تترا، وجمالٍ وجلالٍ غير مَجذوذ، وطرائفَ ومعارفَ لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة، مُغلَّفٌ كلُّ ذلك برداءِ العفّة وحروف الحياء..
فأيُّ مأرَبٍ يرومُه القاريءُ الراشدُ بعد ذلك؟ ليس من وراء ذلك مِثقالُ حبةٍ من خردلٍ من حُسْنٍ قَصَصيّ ممدوحٍ يصنعُ الرجالَ ويبهجُ الخواطرَ ويُثقّل الموازينَ..

Written by pikalty

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Loading…

0

كتاب أمانوس د. حنان لاشين

كتاب رواية سقطرى د. حنان لاشين